أرجو من الطلاب الأعزاء والمشاركين في هذا المنتدى الحفاظ على هذه القوانين:

1. الإلتزام بالآداب العامة وعدم التلفظ بأي ألفاظ بذيئة أو غير لائقة ومسيئة للآخرين وفي حال مخالفة ذلك سيتم إلغاء عضوية المشترك.
2. يمنع منعا باتا وضع الصور المخالفة للشريعة الإسلامية مثل الصور النسائية وغيرها من الصور المخالفة للشرع والآداب.
3. الآراء والمقالات المنشورة في هذا المنتدى بأسماء أصحابها أو أسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة رأي المنتدى بل تمثل رأي كاتبها.
4. يمنع وضع العناوين البريدية الشخصية أو أرقام الهواتف الشخصية سواء في التواقيع أو المشاركات إلا بموافقة إدارة الموقع على ذلك.
يحق لإدارة المنتدى حذف أي موضوع يخالف الآداب العامة للمنتدى.
5. لكي تشاهد مواضيع وزوايا المنتدى عليك التسجيل والدخول كعضو للمنتدى.

التسجيل مجانا وسريع

مفهوم العدالة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

حصري مفهوم العدالة

مُساهمة  زينب حلمى في الأحد أبريل 08, 2012 7:11 pm


مفهوم العدالة


[ وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ]

انطلاقاً من الآية المباركة نتحدث في محاور ثلاثة:
• تحديد مفهوم العدالة .
• ضرورة تطبيق مبدأ العدالة على الأرض .
• معالم دولة العدالة ودولة الإمام المنتظر "عجل الله مظهره الشريف"


المحور الأول :
تحديد مفهوم العدالة , العدالة إعطاء كل ذي حق حقه مع الموازنة بين حقوق الفرد و حقوق المجتمع فعندنا عنصران :

العنصر الأول :
في مفهوم العدالة إعطاء كل ذي حق حقه , ربما يظن كثيراً أن العدالة هي المساواة بين الناس المساواة بين الناس في توزيع الثروة هذا ليس صحيحاً ليست العدالة هي المساواة في توزيع الثروة , لماذا؟
لأن المجتمع البشري خلق متفاوتاً في الطاقات والقدرات قال تعالى:{ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً } , البشر متفاوتون في الطاقات , هناك من يستطيع أن ينتج عشرين مشروع اقتصادياً في سنة واحدة وهناك من يستطيع أن ينتج مشروعاً واحداً وهناك من لا يستطيع أن ينتج أي مشروعاً يخدم المجتمع الإنساني على الأرض, بما أن البشر متفاوتون في طاقتهم ومتفاوتون في قدراتهم إذاً لو وزعت عليهم الثروة بشكل متساوي لكن ذلك ظلماً وليس عدلاً , تفاوتهم في الطاقات يعني تفاوتهم في الإنتاج وتفاوتهم في الإنتاج يقتضي أن توزع الثروة لكل شخصاً بمقدار ما أنتج وبمقدار ما أعطى وبمقدار ما بذل , إذن العدالة ليست مساواة إنما العدالة إعطاء كل ذي فرداً من الثروة بقدر إنتاجه وبقدر طاقته التي بذلها كما عبرنا إعطاء كل ذي حق حقه .

العنصر الثاني :
الموازنة بين حقوق الفرد وحقوق المجتمع , هناك بحثاً بحثه فلاسفة علم الاجتماع, هل أن للمجتمع وجود أم ليس للمجتمع وجود ؟افرد له وجود , لكن هل المجتمع له وجود وراء وجود الفرد مضافاً لوجود الفرد هناك وجود نسميه بالمجتمع أم لا ؟يعني عندما يجلس أمامي عشرون شخصاً هؤلاء العشرون شخصاً لهم وجود زيد , بكر , خالد , عمر وفلان هل لهذه الهيئة , هيئة عشرين شخص أمامي هل لهذه الهيئة وجود أيضاً مضافاً لوجود الأفراد أم لا ؟ هل للمجتمع وجوداً أم ليس للمجتمع وجود ؟

بعض فلاسفة علم الاجتماع يقولون لا يوجد شيء إلا الأفراد , المجتمع مكون من أفراد , الذي له الوجود هو الأفراد زيد , بكر وخالد هؤلاء هم الموجودون أم أن ليس هناك شيء في عالم المادة وفي عالم الخارج شيء نسميه مجتمع , المجتمع مجرد مفاهيم نحن إخترعناها , هناك مجتمع وهناك اجتماع هذه مفاهيم نحن اخترعناها وإلا ليس لها وجود , الوجود للأفراد لزيد , لبكر , لعمر ولخالد ليس هناك وجود آخر يسمى بالمجتمع نحن اخترعنا مفهوم المجتمع وعنوان المجتمع إذن مفهوم المجتمع مفهمو اختراعي وليس موجوداً في عالم المادة وعالم الخارج هذه نظرية .

النظرية الصحيحة التي يؤيدها كثير من فلاسفة هذا العلم أن هناك وجوديين :
• جود للفرد.
• وجود للمجتمع .

كما أن الفرد موجود المجتمع أيضاً موجود , كيف ؟
هناك فرق بحسب المصطلح في علم الفلسفة بين التركيب الإنضمامي والتركيب الاتحادي , ما هو الفرق بين المصطلحين ؟

أولاً التركيب الإنضمامي :
هو الذي لا يتفاعل أجزاءه ولا يتأثر بعضها بالبعض الآخر , مثلاً: أنا أتي وأبني غرفة يعني جدار , إسمنت , سقف , باب و نافذة هذة تسمى غرفة , هذة الغرفة مكونة من أجزاء من باب , وسقف , وجدار و نافذة هذه الأجزاء ل تتفاعل ولا تتأثر ببعضها البعض , أجزاء كما هي يعني هذا الجدار هو الجدار وهذا السقف هو السقف وهذا الباب هو الباب هذة الأجزاء لا تتفاعل فيما بينها هي ,هي كما بنيناها وهي هي كما صنعناها هذا يسمى مركب انضمامي لأن أجزاءه لا تتفاعل .

ثانياً :المركب الاتحادي :
يعني أجزاءه تتفاعل , كيف ؟ مثلاً :الماء , الماء مكون أكسجن وهيدروجين يعني الأكسجين يظل أكسجين لا , هناك تفاعل بين هذين العنصرين بين الأكسجين والهيدروجين يوجد تفاعل ونتيجة هذا التفاعل بين هذين العنصرين صار لنا وجود ثالث ليس أكسجين وحده وليس هيدروجين وحده هناك وجود ثالث يسمى الماء إذن الماء مركب إتحادي وليس مركب انضمامي يعني وجوداً جديداً نشأ عن تفاعل بين جزئيين ونشأ عن تفاعلاً بين عنصرين هذا الوجود الثالث نسميه ماء هذا مركب إتحادي .

المجتمع من هذا القبيل عندما يجتمع أفراد يقال هذا زوج وهذة زوجة هؤلاء أولاد , عندما تجتمع الأسرة يتحقق تفاعل بين هذة العناصر بين أب وأم و أولاد نتيجة التفاعل بين هذة العناصر يتخلق لنا ويتكون لنا وجود ثالث نسميه الأسرة أو نسميه المجتمع , المجتمع مركب إتحادي يحصل ويتحقق نتيجة التفاعل والارتباط والتأثير والتأثر بين الأفراد , هناك أفراد وجدوا في بقعة معينة زرعوها وبنوها وتفاعلوا فيما بينهم بتأثير وتأثر فنتيجة هذا التفاعل تولد وجود ثالث نسميه بالمجتمع.

إذن المجتمع موجود , موجود وجوداً ثانوياً نتيجة التفاعل بيت الأفراد , ولذلك ولد في الثقافات و ولدت العلوم و ولدت العادات و ولدت التقاليد هذة كلها نتيجة التفاعل بين الأفراد , المجتمع هو مجموعة ثقافات ومن عادات ومن تقاليد ومن مفاهيم نشأت نتيجة التفاعل بين الأفراد ولد عن هذا التفاعل ما يسمى بالمجتمع,حتى يوضح أكثر , علماء النفس يقولون للإنسان عقلاً عقل باطني وعقل لغوي , العقل الباطني هو العقل الذي يعتمد علية الإنسان في استقبال المعلومات وفي تحليل المعلومات وفي الاستنتاج من هذة المعلومات , العقل المستقبل والمحلل و المستنتج هذا عقل باطني ليس هناك إشكال فيه .

وهناك عقل لغوي , كيف يعني لغوي ؟
يعني هناك قدرة عند الإنسان من خلالها يستطيع أن يكسب اللغة ومن خلالها يستطيع أن يكسب التبادل في المفاهيم بينه وبين الشخص الآخر , القدرة التي من خلالها يستطيع الإنسان أن يفهم و أن يتفهم هذة تسمى (بالعقل اللغوي) وهذا غير العقل الذي يستنتج ويحلل .

يوجد عندنا قوة أخرى تسمى (بالعقل اللغوي) , العقل اللغوي دوره التفهيم والتفهم أن الإنسان يتوصل إلى وسائل يفهم بها أفكاره ويتفهم بها أفكار الآخرين سواء كان هذة الوسائل ألفاظ أو كتبة أو شيء آخر .

إذن العقل اللغوي وسيلة التفهيم والتفهم , هذا العقل اللغوي من أين أخده الإنسان العقل الباطني ولد مع ولادة الإنسان , الإنسان منذ ولد يتميز عن الحيوان بعقل يستقبل ويحلل ويستنتج ولكن العقل اللغوي لم يولد مع الإنسان وإنما اكتسبه من المجتمع , المجتمع يعطيه العقل اللغوي لو عاش الإنسان في مغارة وحدة لما اكتسب العقل اللغوي , القدرة على التفهيم والتفهم هذة القدرة(قدرة اكتسابية) وليست قدرة ذاتية , هذة القدرة الاكتسابية يحصل عليها الإنسان من خلال المجتمع ومن خلال معيشته مع البيئة ومن خلال تعلمه إذن العقل اللغوي وليد المجتمع بينما العقل الباطني ذاتياً فطرياً للإنسان فلمجتمع له وجود ,وهذا ما يقرره القرآن الكريم , القرآن الكريم يقرر بأن المجتمع شيء آخر غير الإنسان موجد آخر غير الإنسان قال تعالى: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ} مثل ما للإنسان أجل للأمة أيضاً لها أجل , الحضارة الرومانية كان لها أجل وانتهى و حضارة الفراعنة كان لها أجل وانتهى ولكل حضارة أجل ولكل أمة أجل قال تعالى:{ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ }قال تعالى:{ وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ} جاء الأجل موت الحضارة وموت الأمة .

إذن المجتمع له وجود وبما أن المجتمع له وجود والفرد له وجود فهناك حقوق للفرد وهناك حقوق للمجتمع والعدالة الموازنة بين حقوق الفرد وحقوق المجتمع , مثلاً: إنسان يقول أنا من حقي أن أمتلك ثروة ومن حقي أن انمي ثروتي وأموالي بالشكل الذي أريد فأنا أريد أن أشيد مصنعاً في وسط المدينة وهذا المصنع من خلاله تنمو ثروتي وينموا إنتاجي تقول له أنت عندما تشكل مصنع في وسط المدينة تشكيل المصنع في وسط المدينة يوجب تلويث البيئة وإذا تلوثت البيئة تضرر المجتمع إذن هناك حالة تعارض بين حق الفرد وحق المجتمع , حق الفرد أن ينمي ثروته بالنحو الذي يريد وحق المجتمع أن يعيش في بيئة سليمة وصحية فإذا حصل التزاحم بين حق الفرد وحق المجتمع هنا يأتي دور العدالة في الموازنة بين حق الفرد وحق المجتمع .
إذن العدالة إعطاء كل ذي حق حقه مع الموازنة بين حقوق الفرد وحقوق المجتمع .

المحور الثاني :
العدالة حق إنساني وهدف سماوي , منذ أول يوم وجد الإنسان على الأرض كان هدفه إقامة العدالة وهذا هو هدف السماء قال تعالى:{ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ } حتى تنطبق العدالة فالعدالة هدف سماوي كما هي هدف إنساني , لذلك لابد من تطبيق العدالة ليتحقق هذا الهدف , العدالة ربما هي موجودة في بعض البلدان وفي بعض المناطق وفي بعض المجتمعات لكن الهدف لم يتحقق بعد , الهدف تطبيق العدالة على كل الأرض الهدف السماوي والإنساني تطبيق العدالة على الأرض كلها وهذا الهدف لم يتحقق بعد , إلى يومنا هذا لم يتحقق هذا الهدف .

إذن ما لم يتحقق هذا الهدف فبعثة النبوات لغو وبعثة الرسل لغو و رسالة السماء لغو , لا تكون رسالة السماء صحيحة ولا بعثة الأنبياء والرسل صحيحة إلا مع تحقق هذا الهدف وهو تطبيق العدالة التامة على الأرض كلها .

إذن بما أن الله لا ينع لغواً فلابد أن يحقق هذا الهدف يوماً ما , وهو أن يطبق العدالة التامة على الأرض كلها قال تعالى:{ وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ } الزبور كتاب داود, كتاب داود أولاً ابتدأ بالذكر الإلهي "لا إله إلا الله " بعد أن بدء بالذكر الإلهي جاءت الكلمة الثانية قال تعالى:{ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ } قال تعالى: { وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ },ما معنى يرثها عبادي الصالحون ؟

يعني العدالة تحتاج إلى الإنسان العادل , هل يمكن تحقيق العدالة بدون إنسان عادل ؟ غير ممكن , لذلك في دولة الإمام "عجل الله فرجه " يبدأ من الإنسان إذا اوجد الإنسان العاجل أوجد العدالة على الأرض . النظم التربوية في عصر الإمام , النظم التربوية في الأسرة وفي المدرسة وفي الشارع وفي السوق وفي أي مكان , النظم التربوية في عصر الإمام " عليه السلام " نظم تربي الإنسان على العدالة , فإذا تكون الإنسان العادل تحققت العدالة على الأرض ولا يمكن تحقق العدالة بدون إنسان عاجل لذلك تبدأ دولة الإمام بتحقيق الإنسان العادل حتى تتحقق العدالة على الأرض .

لذلك عن النبي محمد " صل الله عليه وآله " : ( لو لم يبقى من الدنيا إلا يوم لبعث الله رجلاً من أهل بيتي , من ولد فاطمة , من ولد الحسين يوافق اسمه أسمي يملأ الأرض قسطاً وعدلا كما ملئت ظلم وجورا) كيف يملأ الأرض قسطاً وعدلا كما ملئت ظلماً وجورا ؟ كيف ؟؟

الأرض فيها مناطق غير مأهولة بالسكان ومناطق شاسعة مثل مناطق القطب الشمالي , منطقة غير أهلة كيف يملئها عدلاً ؟

الرسول "صلى الله عليه وسلم " قال : ( يملأ الأرض ) يعني لا تبقى منطقة من مناطق الأرض إلا وتعيش العدالة التامة التي تتحقق على يديه "عليه السلام" , كيف يعني يملأها عدل ؟ هذة منطقة قطبية لا يسكنها أحد ! , ما هي علاقتها بالعدالة وما هي علاقتها بالظلم والجور . (يملأ الأرض قسطاً وعدلا كما ملئت ظلماً وجورا) كيف يعني ؟

معنى ذلك عندما يظلم الإنسان يظلم حتى الطبيعة , الإنسان لا يظلم إنسان آخر فقط , الإنسان عندما يظلم البشر يظلم الطبيعة أيضاً ويظلم الفضاء أيضاً ويظلم الوجود أيضاً . ظاهرة الاحتباس الحراري وما ينتج عنها ليست ظلم للإنسان أو ظلم لمجتمع بشري هي ظلم للأرض وظلم للطبيعة وظلم للوجود .

إذن ظلم الإنسان تجاوز الإنسان , ظلم الإنسان أثر على الكون وأثر على الطبيعة وأثر على التوا***ت البيئية على الأرض , ظلم الإنسان تعدى وتجاوز الحدود لذلك إنسان هذا العصر أو ما بعد هذا العصر ملأ الأرض ظلما لأن ظلمة أثر على الطبيعة وأثر على الكون فالإنسان في هذا العصر ملأ الأرض ظلما , جبال جليدية في القطبين تذوب وتتحول إلى ماء نتيجة ظلم الإنسان للطبيعة .

إذن النتيجة: الإنسان ملأ الأرض ظلما ووصل ظلمة لكل منطقة لأنه ظلم البيئة , ظلم الطير وظلم الحيوان وظلم كثيراً من الكائنات الحية , هذا الظلم الذي ملأ الأرض الإمام "عجل الله فرجه " بدولته العادلة المبنية على تربية الإنسان العادل حتى ينتج عدالة على الأرض , بتربيته للإنسان العادل يملأ الأرض قسطاً وعدلا حتى الطبيعة تطمئن في دولته , التوا***ت البيئية تطمئن في دولته وجميع الكائنات الحية تألف الحياة والعيش المستقر الهادئ في دولته فهو يملأ الأرض قسطاً وعدلا كما ملئت ظلماً وجورا قال تعالى:{ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي} قال تعالى:{ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ}

المحور الثالث :
يومه يوم العدالة التامة , يومه يوم تربية الإنسان العالم , ولكن ما هي المعالم لدولته "صلوات الله وسلمه عليه " نذكر معلمين من أهم المعالم :

المعلم الأول :
الحضارة الكونية , ما معنى الحضارة الكونية ؟ لماذا خلق الإنسان ؟ كثيراً ما نطرح هذا السؤال على أنفسنا لماذا خلق الإنسان ؟ فيجيب إنسان بأن القرآن قال:{ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ } إذن الهدف من وجود الإنسان هو العبادة , لا هذا الجواب خطأ ! , لماذا ؟

العبادة مجرد طريق , العبادة وسيلة وليست غاية , الإنسان خلق لغاية أخرى والعبادة وسيلة لتحقيق تلك الغاية وطريق لتحقيق تلك الغاية , الإنسان خلق لكي يبلغ الكمال يقصد إلى حد الكمال والعبادة طريقاً من الطرق التي توصله إلى الكمال { وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ } العبادة طريق من طرق الوصول إلى الكمال , الإنسان خلق لكي يصل إلى الكمال والعبادة طريق لذلك ومن الكمال إقامة الحضارة الكونية , الإنسان مسئول عن إقامة حضارة كونية وليس حضارة أرضية نحن إلى الآن أقمنا حضارة أرضية لكن إلى الآن لم نصل إلى حضارة كونية , الإنسان مازال يحلق حول الأرض ولم يذهب بعيد , وصل إلى القمر ؟ لم يذهب بعيد هذا الإنسان , مازال الإنسان يدور حول الأرض ومازال الإنسان يحوم حول الأرض ومازال الإنسان لم يتقدم بعد يعني لم يصل إلى إقامة الحضارة الكونية .

لماذا نقول بأن الهدف إقامة الحضارة الكونية ؟
لو لم يكن الهدف من وجودنا كمجتمع إنساني إقامة الحضارة الكونية استغلال هذا الفضاء كله وبجميع دراته ومجراته استغلال هذا الفضاء كله بحضارة شمولية كونية شامخة لو لم يتحقق هذا الهدف لكان وجود السماء والفضاء لغو وما الداعي إليه ! , طيب إذا كان الإنسان لا يستثمره ما هو الهدف من وجودة , لماذا خلقت هذة السموات السبع وخلقت هذة المجرات وخلقت هذة الكواكب والمجموعات الشمسية ؟ . لو لم يكن الهدف منها استثمار الإنسان لها واستغلال الإنسان لها لأصبح وجودها لغواً والغو لا يصدر من الحكيم تبارك وتعالى , إذن الهدف من هذا الوجود بمجراته وداراته وشموسه وكواكبه الهدف إقامة الحضارة الكونية أن الإنسان يقيم حضارة وهذا ما ذكرته الآية المباركة قال تعالى:{ وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ } ما معنى سخر لكم ما في السموات وما في الأرض ؟

يعني هذا الكون بسمائه وأرضه مملوء بالكنوز انتم عليكم أن تكتشفوها وأنتم عليكم أن تصلوا إليها وأنتم المسئولون عن اكتشاف كنوز الكون كله قال تعالى:{ وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ } فأنتم كإنسان مسئولون عن إقامة حضارة كونية إذا تحققت هذة الحضارة الكونية الشمولية تحقق الهدف من وجودكم وتحقق الكمال الذي هو هدف منشود لكم , متى تتحقق الحضاريات ؟
إلى الآن نحن نعيش الحضارة الأرضية , متى تتحقق الحضارة الكونية ؟ متى يأتي يوماً نقول أستخرج الإنسان كنوز الكون و استعمر الإنسان الوجود وسيطر الإنسان على هذا الكون كله متى ؟

عندما يصل الإنسان إلى حقائق العلوم ويصل الإنسان إلى النتائج في جميع العلوم , يعتبر هذا الإنسان تمركز في الكون كله قال تعالى: { يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا } هذة هي الحضارة الكونية أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض فنفذوا واستغلوا الكون كله قال تعالى:{ لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ } والسلطان هو العلم , حقيقة العلم في كل فن وفي كل مجال إذا وصل إليها الإنسان نفذ من أقطار السموات والأرض ويومه "عليه السلام" هو يوم وصول الإنسان للحقائق العلمية , كثير من الناس يتصورون بأن دولة الإمام دولة بدوية يخرج ويركب على حصان ويحمل سيف ويقاتل بالرمح مثلاً ! لا . دولة الإمام حضارية , دولة الإمام هي نتيجة تراكم التجربة البشرية , التجربة البشرية ما تتوقع ولا تتخلف فالتجربة البشرية إلى الأمام تتقدم , هذة التجربة البشرية الحضارية تتكامل وتتنامى نتيجة تراكم التجربة البشرية الحضارية تتحقق في دولة الإمام "عجل الله تعالى فرجه الشريف" دولته قمة الحضارة وكمال الحضارة , دولته كما قلنا دولته هي التي تحقق الحضارة الكونية في هذا الوجود بأسره لأن دولته دولة العلم و دولة الحقائق العلمية .

هناك رواية عن الإمام الصادق "علية السلام ": ( يؤمن به أهل الكفر قبل أهل الكتاب ) يؤمن به أهل الكفر قبل المسلمين , لماذا يؤمن به أهل الكفر ؟ لأنه يتكلم بلغة علم ويتكلم بلغة حضارية ويطرح حقائق علمية لا يطرح عنف ولا يطرح استبداد ولا لغة أخرى عندما يظهر , يظهر بمنطق علمي ويظهر بمنطق حضاري لذلك تؤمن به دول الغرب دولاً توصف بأنها دول الكفر هي تؤمن به قبل دول الإسلام لأنها تمشي على المنطق العلمي وعلى المنطق الحضاري والإمام هذا منطقه عند خروجه "صلوات الله وسلامه عليه " .

المعلم الثاني :
نزول عيسى أبن مريم عليه وعلى نبينا وآله أفضل الصلاة والسلام , عيسى إبن مريم كما تعرفون بإجماع المسلمين بأنه ما قتل تبعاً للقرآن الكريم قال تعالى:{ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـكِن شُبِّهَ لَهُمْ } الله رفعه إليه في مكان أمين إلى أن يأتي اليوم الذي يرجع فيه إلى هذة الأرض مرة أخرى , لماذا عيسى أبن مريم ؟ لماذا لم يكن موسى ؟ لماذا لم يكن داود ؟ لماذا لم يكن سليمان ؟ لماذا قرنه الله بالإمام عيسى أبن مريم ؟
في الرواية الموجودة في صحيح البخاري : ( كيف بكم إذا نزل عيسى أبن مريم عليكم وإمامكم منكم ) عيسى أبن مريم هو الذي ينزل , لماذا خصوصية عيسى أبن مريم ؟

هناك رواية أخرى تفسر هذا الكلام تقول : ( في آخر الزمان تكون الغلبة لأتباع عيسى ) , آخر الزمان تكون القوة والاقتصاد والحضارة بيد أتباع عيسى أبن مريم , ربما يكون هناك وجود إلى ديانات أخرى البوذية مثلاً توجد ديانات أخرى كثيرة بالملاين على الأرض وبالمليارات على الأرض ولكن مقادير الأمور يعني عصب الاقتصاد وعصب الحضارة بيد أتباعه بيد النصارى أتباع عيسى أبن مريم في آخر الزمان لأجل ذالك حتى يصدق به يعني يصدق بالإمام "عجل الله مخرجه " وينقاد إليه هؤلاء ينزل عيسى أبن مريم بنفسه فينجذب له أتباعه ويحف المؤمنون به ويقولون جاء نبينا وعاد إلينا مرة أخرى فيتقدم نبيهم ويقول : ( أما أنا فأنا مأموم لهذا الإمام المهدي المنتظر "عجل الله فرجه الشريف ") ويصلي خلفه في بيت المقدس .

إذن السر والحكمة في قرن الإمام بعيسى أبن مريم حتى يكون ذلك عضداً لأقامه دولته ومستمسكاً للإيمان به ودليلاً على صدق دعواه و صدق إمامته " عجل الله تعالى فرجه الشريف . كثير من الناس يتخوفون ويقولون إذا خرج سيقتلنا ولا يسامحنا على أخطأنا ولا على ذنوبنا وسوف يسفك الدماء بعض الناس تقول "عجل فرجه " ولكن بداخلها تخاف أن يخرج , هو جده النبي المصطفى قال تعالى:{ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ } هو مصدر الرحمة وهو مصدر العطاء وهو مصدر البذل كل من ساهم معه ببناء الدولة تمحى خطاياه وتمحى ذنوبه وتمحى رذائله ,الإمام "عليه السلام " هو مصدر الرحمة والرزق والعناية والاهتمام بكل المؤمنين به وبكل المساهمين في بناء دولته "عجل الله فرجه الشريف " والإمام لا يخوض حرب إلا حرب دفاعية عن نفسه وعن أتباعه وإلا ليس مبدأه القتل أو العنف أو سفك الدماء , مبدئه مبدأ أجداده مبدأ الرحمة .

مفهوم العدالة عند أرسطو

تعريف أرسطو للعدالة
يحيل مفهوم العدالة عند أرسطو إلى دلالتين: عامة وخاصة؛ فهو يشير في دلالته العامة إلى علاقة الفرد بالمؤسسات الاجتماعية، وهنا يكون مرادفا للفضيلة بالمعنى الدال على الامتثال للقوانين؛ فالإنسان الفاضل هو الذي يعمل وفقا للقانون، شريطة أن يكون هذا القانون مبنيا على أساس مبدإ الفضيلة. ومع ذلك فإنه لابد من الإشارة إلى وجود فرق طفيف بين مفهوم العدالة الكونية ومفهوم الفضيلة من حيث أن الأولى تقتصر على العلاقات بين الأفراد والمؤسسات، بينما تشمل الثانية علاقات الأفراد فيما بينهم. وأما العدالة بالمعنى الخاص فتدل على ما ينبغي أن يكون عليه سلوك الفرد في تعامله مع غيره من أفراد المجتمع، وهنا تقترن العدالة بالفضيلة باعتبارها جزءا لا يتجزأ منها، وتدل على السلوك الفاضل في جميع مجالات النشاط الإنساني. إن العدالة بهذا المعنى تقتضي أن يقنع المرء بقسمته ولا يطمع بما في أيدي الناس وفي حقوقهم، وتعني الاعتدال، وهو الحد الوسط بين قيمتين متطرفتين أو بين الزيادة والنقصان، ومعنى ذلك أن يسعى الإنسان الفاضل دائما إلى الحصول على القسمة التي تمثل القيمة التي تقع بين الحد الأدنى والحد الأعلى، وهذا ما تدل عليه العبارة الأرسطية المشهورة: “الفضيلة هي الوسط”. تدل هذه العبارة من الناحية العملية على أن يقنع الشخص الفاضل بأقل قدر ممكن.
أنواع العدالة في فلسفة الأخلاق لدى أرسطو
يميز أرسطو بين العدالة الكونية والعدالة الخاصة، كما سبقت الإشارة إلى ذلك، ويميز في العدالة الخاصة أيضا بين نوعين وهما:
1. عدالة التوزيع، وتشمل توزيع الخيرات والشرف والمناصب أو أي شيء يمكن توزيعه على أفراد الجماعة الإنسانية. ويستلزم تحقيق هذا النوع من العدالة وجود شخصين وشيئين يراد توزيعهما بينهما؛ وتقضي العدالة أن تظل وضعية كل واحد من الطرفين كما كانت قبل التوزيع، ومعنى ذلك أن يتم توزيع الأشياء بما يتناسب مع ما يستحقه كل طرف، هذا مع العالم أن معيار الاستحقاق يختلف باختلاف النظم الاجتماعية: ففي الأنظمة الديمقراطية يكون المعيار هو الحرية، وتكون الثروة هي المعيار في الأنظمة الأوليغارشية، وهو الفضيلة في الأنظمة الأرستقراطية. وأخذا بعين الاعتبار الفروق التي تقيمها هذه المعايير بين الأفراد، فإنه يمكن مع ذلك إقامة العدل بينهم، وذلك وفقا لمبدإ التناسب الهندسي؛ فإذا كان هناك شخصان “أ” و “ب” يريدان تقاسم شيئين “ج” و “د”، وكان الشخصان متماثلان من حيث درجة الاستحقاق، وكانت قيمة “ج” مساوية لقيمة “د”، فإن العدالة تقتضي أن يتم التوزيع وفقا للمعادلة التالية:
أ ¸ ب = ج ¸ د
وبالنظر إلى مبدإ التوزيع العادل، فإنه يتعين أن يحصل “أ” على “ج” كلها، وأن يحصل “ب” على “د” كلها، بحيث تصبح الوضعية بعد التقسيم على النحو التالي
أ + ج) ¸ (ب + د) = أ ¸ ب )
وهذا يعني أن وضعية كل طرف بالنسبة إلى الطرف الآخر بعد التوزيع ظلت كما كانت عليه قبل التوزيع، بمعنى أن أي أحد لم يحقق أية مكاسب على حساب الآخر؛ وهذه هي العدالة التوزيعية التي تقوم على مبدإ التناسب الهندسي الذي تمثل حصيلته الحد الوسط بين الزيادة والنقصان في الحصة التي يستحقها كل طرف، فلا إفراط ولا تفريط. ومعنى ذلك أن الشخص غير العادل هو الذي يرغب في الحصول على أكثر مما يستحق وفقا لمبدإ التناسب الهندسي.
ومع أن العدالة التوزيعية تخص التعاملات بين الأفراد فإنه يمكن تطبيقها أيضا على التعامل بين مؤسسات الدولة والمواطنين فيما يتعلق بتوزيع الخيرات والمناصب والخدمات كالتعليم والصحة. تقتضي العدالة أن تقوم الدولة بتوزيع هذه الموارد بالتساوي على المواطنين مع مراعاة استعداداتهم ومؤهلاتهم وقدراتهم، وبغض النظر عن انتماءاتهم الطبقية أو العرقية أو الدينية وما إلى ذلك. وتقتضي العدالة أن تقدم الدولة الخدمات الأساسية كالتعليم والصحة مثلا لجميع المواطنين دون تفضيل أو تمييز بعضهم على بعض. فإذا كانت سياسة الدولة تقوم على مبدإ المعاملة التفضيلية لبعض الفئات على حساب فئات أخرى عندما تقوم بتقديم هذه الخدمات، كأن يتلقى أبناء الأعيان والطبقات العليا تعليمهم في مدارس أفضل منالمدارس التي يدرس فيها أبناء الطبقات الشعبية، أو أن يتلقوا العلاج في مستشفيات وعيادات فاخرة بينما يتلقى أبناء الطبقات الشعبية علاجهم في مستشفيات قذرة تفتقر إلى التجهيزات الضرورية، إذا كان الأمر كذلك فإن الدولة ستكون دولة جائرة تفتقر إلى المشروعية، ويكون من حق الشعب أن يقاومها ويعيد بناءها من جديد على أساس مبدإ العدالة.
2. العدالة التصحيحية، وتكمن وظيفتها في إعادة الحق المنتهك إلى نصابه، والحقوق المهضومة إلى أصحابها في مجال التعاملات بين الناس. يميز أرسطو في هذا النوع من العدالة بين نوعين وهما: العدالة المتعلقة بالمعاملات الإرادية أو الاختيارية بين الأفراد كالبيع والشراء والإيجار والسلف وما إلى ذلك؛ والعدالة المتعلقة بالمعاملات غير الإرادية، السرية منها والعنيفة كالسرقة وإتلاف ممتلكات الغير أو إهانته أو مضايقته في عمله أو سكنه الخ. ففي مجال التعاملات الإرادية أو التعاقدية يكون هدف الحاكم أو القاضي هو التصحيح لا العقاب،. وتقتضي العدالة في هذه الحالة أن يتعامل القاضي مع المتنازعين على قدم المساواة، وأن يمسك عن إصدار أي حكم معياري ولا ينظر إلى أي أحد منهما على أنه طيب أو خسيس. وأما ما يجب أن يقوم به فهو بيان الحيف الذي لحق أحدهما وتصحيحه وإعادة الأمور إلى نصابها وإلى ما كانت عليه قبل المعاملات. وأما في مجال السلوك الإجرامي فإن الهدف يكون هو العقاب وتصحيح الضرر وإعادة الاعتبار للمعتدى عليه.
ويرى أرسطو أن العدالة التصحيحية تقوم على مبدإ التناسب الحسابي، وهذا مثال يوضح هذا المبدأ: لنفترض أن شخصين “أ” و “ب” اللذان يوجدان في وضعية متساوية ( أ = ب) وتعرض أحدهما لتعامل سري من الطرف الآخر، حيث إن الشخص “أ” اعتدى على الشخص “ب” وأخذ منه القيمة “ج”، وعلى إثر ذلك أصبحت وضعيتهما هي: (أ ج)، (ب – ج). ولإعادة الأمور إلى نصابها دون إفراط ولا تفريط يقوم القاضي بإعادة “ج” إلى “ب”، وعندئذ تصبح الوضعية كما يلي: (أج – ج) = (ب – ج + ج). وهكذا تعود المعادلة إلى ما كانت عليه في الوضعية الأصلية.
مفهوم الوسط في أخلاقيات العدالة عند أرسطو
يتبين من التحليل السابق أن نظرية العدالة عند أرسطو تقوم على ثلاثة قيم، اثنتان منهما تمثلان الرذيلة وهما الزيادة والنقصان أو الإفراط والتفريط، وتمثل القيمة الثالثة الفضيلة وهي الوسط. تتعارض كل قيمة من هذه القيم مع القيم الأخرى، ولكن ليس بنفس القوة أو الحدة، وأشد ما يكون التعارض بين القيم المتطرفة (الزيادة المفرطة والنقصان المفرط)، وكذلك يوجد تعارض بينهما وبين قيمة الوسط. وأما المتوسط فإنه يتعارض مع القيم المتطرفة من حيث أنه يمثل الزيادة بالنسبة للقيمة الدنيا والنقصان بالنسبة للقيمة العليا. فالرجل الشجاع يبدو متهورا في نظر الجبان، وجبانا في نظر المتهور؛ ولهذا السبب ينظر كل متطرف في هذا الاتجاه أو ذاك إلى من يقف في الوسط بين طرفي النقيض على أنه مذنب. وكثيرا ما تبدو القيمة المتطرفة مشابهة لقيمة الوسط ومختلفة اختلافا جذريا عن القيمة التي تقع في الطرف النقيض: فالتهور يبدو في بعض الأحيان مشابها للشجاعة ومناقضا للجبن، والتبذير مشابها للكرم ومناقضا للبخل، ذلك لأن العلاقة بين القيم المتطرفة هي على العموم علاقة تناقض، وأما العلاقة بين القيم المتطرفة والقيمة الوسطى فهي علاقة تشابه وتماثل، بحيث يكون من الصعب في بعض الوضعيات التمييز بينها.
وفي بعض الأحيان تكون إحدى القيم المتطرفة أكثر تعارضا مع القيمة الوسطى بالمقارنة مع القيمة المتطرفة الأخرى، فالجبن مثلا يبدو أكثر تعارضا مع الشجاعة من التعارض الموجود بين التهور والشجاعة. وكذلك فإن التعاطف وإظهار المشاعر الذاتية أقرب إلى التحكم في الذات وأبعد ما يكون عن انعدام الحس أو الحساسية. ويرجع السبب في ذلك إلى أنه عندما يشعر المرء بأن إحدى القيم المتطرفة شبيهة بالقيمة الوسطى فإنه يميل إلى اعتبار القيمة المتطرفة الأخرى مناقضة للقيمة الوسطى. وكذلك فإنه كلما كان المرء أكثر انجذابا إلى قيمة ما فإنه يميل إلى اعتبار القيمة الوسطى مناقضة لقيمته، فإذا كان شديد الميل إلى تحقيق اللذة والمتعة وأقل قدرة على التحكم في الذات، فإنه سيميل بطبيعة الحال إلى اعتبار الاعتدال في الإقبال على المتعة منافيا لمبدإ التحكم في الذات.
نخلص من ذلك كله إلى القول بأن العدالة هي الفضيلة، وأن الفضيلة هي الوسط بين رذيلتي الإفراط والتفريط أو الزيادة والنقصان على مستوى الانفعالات والسلوك. وتقتضي الحكمة من وجهة النظر هذه اكتساب القدرة على تحديد القيمة الوسطى بنزاهة، ولكن تحقيق هذه المهمة يكون على قدر كبير من الصعوبة في بعض الأحيان لاعتبارات ذاتية صرفة. ولعل من أهم الشروط التي يجب أن تتوفر في الشخص من أجل تحقيق هذه الغاية: الوعي بالذات وما تنطوي عليه من نوازع وميولات خاصة، والقدرة على التحكم في الذات. إن هذه الصفات هي التي تساعد المرء على عدم الانسياق وراء الرغبات المتطرفة التي تتعارض مع الحد الوسط الذي يسعى إليه، إن امتلاك هذه الصفات هو ما يجعله قادرا على اكتشاف القيمة المتطرفة الأكثر تعارضا مع القيمة الوسطى بالقياس إلى القيمة المتطرفة الأخرى، حتى إذا لم يتمكن من الاهتداء إلى القيمة الوسطى أمكنه الاختيار على الأقل بين أهون الضررين. إن الوعي بالنوازع الذاتية يعصم من الوقوع في الزلل ويساعد على مقاومة الإغراء والأهواء، ويدفع المرء إلى السير في الاتجاه المعاكس للاتجاه الذي كان ينوي السير فيه من جراء ميله إلى التمركز حول الذات لتلبية رغباتها الأنانية. إن التخلص من نزعة التمركز حول الذات هو السبيل القويم إلى الاهتداء إلى القيمة الوسطى التي تمثل الفضيلة.
البعد الاجتماعي والسياسي للعدالة
إن العدالة بالمعنى السياسي للكلمة تدل عللا علاقة الدولة بمواطنيها، ولا تتحقق العدالة في هذا الإطار إلا إذا كان جميع المواطنين يتمتعون بنمط عيش مشترك يلبي حاجاتهم الأساسية، ويوفر لهم إمكانية الاستقلال الذاتي والحرية والمساواة في جميع مجالات الحياة الاجتماعية بناء على مبدإ التناسب الهندسي أو مبدإ التناسب الحسابي حسب طبيعة النظام الاجتماعي-السياسي. ففي الأنظمة الأرستقراطية تتحدد المساواة بين المواطنين وفقا لمبدإ التناسب الهندسي، لأن توزيع الحقوق في هدا النظام يتم بالنظر إلى وضعية الأفراد واستحقاقاتهم، ويتحدد مفهوم المساواة في الأنظمة الديمقراطية وفقا لمبدإ التناسب الحسابي ما دام كل مواطن حر يتمتع بنفس الحقوق والواجبات.
ولما كانت وظيفة القوانين والتشريعات هي التمييز بين العدل والجور فإنه لا يمكن الحديث عن العدالة السياسية في مجتمع لا تخضع فيه العلاقات بين الأفراد للقوانين؛ ما وجدت القوانين في الواقع إلا بسبب قابلية الإنسان لأن يكون عادلا أو جائرا، بل إن طبيعته الأنانية، وميله إلى التمركز حول الذات يؤهلانه لأن يكون أكثر ميلا إلى الظلم منه إلى العدل، وخاصة إذا تمركزت السلط بين يديه وتوفرت له أسباب القوة. ولهذا السبب يكون نظام الحكم الفردي أكثر الأنظمة السياسية ظلما وجورا وفسادا؛ لأن الحاكم المستبد يجعل مصالحة الأنانية فوق مصلحة الأمة أو الوطن. ولذلك يقال بأن القانون هو الحاكم الفعلي في الدولة العادلة، ويقتصر دور القادة فيها على السهر على تطبيق القوانين وتحقيق العدالة ولو على أنفسهم. ولقد ضربت الولايات المتحدة الأمريكية على ذلك مثالا للعالم عندما مثل الرئيس كلنتون أمام العدالة في قضية مونيكا التي باتت مشهورة.
ويجمع المفكرون في الوقت الراهن على أن العدالة التصحيحية لا يمكن أن تتحقق في إطار أي نظام سياسي ما لم يكن هناك فصل بين السلطة التنفيذية والسلطة القضائية. ويعتبر مبدأ فصل السلط الركيزة الأساسية التي تقوم عليها الأنظمة الديمقراطية العادلة. ولابد من الإشارة هنا إلى أن مشكلة الحكم الديمقراطي العادل ما زالت هي المشكلة الرئيسية التي يعاني منها المغرب وغيره من بلدان شمال إفريقيا والشرق الأوسط، وما زالت هذه البلدان تقاوم كل دعوة إلى إصلاح أنظمتها القضائية والإدارية سواء كان مصدر هذه الدعوة داخلي
ا أو خارجيا.

avatar
زينب حلمى
عضو جديد
عضو جديد

المقالات : 13
تاريخ التسجيل : 09/10/2011
الموقع : ahmedabntolon.yoo7.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى